ليلة في قاع الجحيم: الناجي الوحيد من بئر برهوت يروي التفاصيل!
مقدمة: البئر التي لا قاع لها
في بقعة معزولة من صحراء حضرموت باليمن، حيث تصمت الرياح وتتراجع الحياة، يقبع أحد أكثر الأماكن رعبًا وغموضًا على وجه الأرض: وادي برهوت. في قلب هذا الوادي، توجد فجوة عملاقة غريبة في جوف الأرض تُعرف بـ "بئر برهوت"، أو كما يسميها الأقدمون "بئر الجن".
القصص والحكايات التي تُروى عن هذا المكان تتجاوز حدود العقل البشري، وتثير الحيرة برعب شكلها وهندستها الإعجازية التي يستحيل على بشر طبيعي أن ينحتها. لكن قصة اليوم مختلفة تمامًا؛ لأنها ليست مجرد أساطير متداولة، بل هي شهادة حية تأتينا على لسان فتى شق طريقه إلى قاع البئر، وعاش الرعب بأم عينيه، وعاد ليخبرنا بما رأى.. إذا كنت ضعيف القلب، فننصحك بإغلاق هذه الصفحة فورًا، وزر السمطة وراك الفُرجة!
البداية: العودة إلى أرض الأسرار
تبدأ أحداث قصتنا الغريبة مع فتى في السادسة عشرة من عمره يُدعى "خالد". هو يمني الأصل، لكنه عاش حياته مغتربًا مع والديه في دولة أخرى بعيدة عن اليمن. دارت الأيام وتوالت الأقدار، ليلقى والد خالد حتفه في حادث عمل مأساوي وصادم داخل أحد المصانع؛ حيث كان يعمل على آلة خطيرة، ووسط خطأ ما، تسببت تلك الماكينة في وفاته فورًا.
بعد رحيل الأب وموته القاسي، ضاقت السبل بخالد ووالدته في تلك البلاد، ولم يعد لهما ما يوجب البقاء أو العيش هناك. هنا، اضطرا لجمع حقائبهما وشد الرحال بالطيارة عائدين إلى وطنهما الأم، اليمن. وكانت هذه العودة هي الشرارة الأولى والبدية لكل الأحداث المرعبة التي سيشهدها خالد.
استقر خالد وأمه في منزل جده، وهو بيت ريفي قديم من تلك المنازل الكبيرة التي تجمع العائلة بأكملها تحت سقف واحد: الأجداد، والأبناء المتزوجون، والأحفاد. كان الجد يعيش هناك برفقة ثلاثة من أعمام خالد وعائلاتهم في قرية نائية بأطراف حضرموت. وكان من بين الأحفاد فتى في مثل عمر خالد تقريبًا، يُدعى "علي".
التأقلم والتعايش.. وتأثير "علي"
اندمج خالد تدريجيًا في حياة العائلة الجديدة، بينما انتقلت والدته للعمل في المدينة المجاورة واستقرت هناك بمفردها لتأمين لقمة العيش، وكان خالد يزورها بين الحين والآخر كلما سنحت الفرصة في عطلة نهاية الأسبوع. وجد خالد نفسه فجأة يعيش وسط زحام عائلي صاخب وقشلة من البشر، بعد أن اعتاد الهدوء والخصوصية مع والديه؛ أعمام وأبناء أعمام وحركة لا تهدأ وروينة نايضة في أرجاء المنزل. ورغم كل شيء، بدأ خالد يتعود على هؤلاء الناس وتقرب من ابن عمه علي الذي كان في نفس سنه.
لكن علي كان يملك خصلة خبيثة تزعج خالد كثيرًا؛ فقد كان دائم السخرية والتنمر عليه بشكل يومي. إن تحدث خالد سخر من كلامه، وإن وقف أو جلس تهكم عليه، وكان هدفه الدائم هو التقليل من شأنه وإشعاره بأنه مجرد "براني" (غريب) وضعيف، لا يفقه شيئًا عن حياة البراري والدوار والبهايم. كان هذا الأمر يضايق خالد ويملأ قلبه بالغل، لكنه كان يلتزم الصمت مستحملًا تلك التصرفات ليتجنب المشاكل وسط عائلته الجديدة.
سر البئر والأساطير المخيفة
في أحد الأيام، وبعد أن بدأ خالد الدراسة في مدرسته الجديدة وكان في نفس الفصل والمقعد مع ابن عمه علي، كانا يسيران معًا في طريق العودة نحو المنزل، يتجاذبان أطراف الحديث ويضحكان. وفجأة، توقف علي عن السير، وتغيرت ملامحه، وأشار بإصبعه نحو أفق قاحل ممتد وخلاء موحش.
من هنا، نترك خالد يروي لنا تفاصيل الحوار بلسانه:
بعد أن أشار علي نحو ذلك الخلا، نطق وقال لي بنبرة غامضة: "ألا تدري ما الذي يقبع هناك؟" أجبته ببراءة: "لا، ماذا هناك؟" قال وعيناه مثبتتان على الأفق: "هناك يمتد وادي برهوت، وفي وسطه تقع بئر برهوت الشهيرة. هاد البير كيعاودوا عليها الناس بزاف ديال القصص والحكايات، وكاين اللي كيقول داكشي غير أساطير ما منه والو. لكن أهل قريتنا يتجنبون الذهاب إلى هناك تمامًا ويملأ قلوبهم الرعب منها؛ إذ يقال إن الجن هم من حفروا هذه البئر في وسط الخلاء لتكون سجنًا للمجرمين والعُصاة والمردة منهم، يحبسون فيها كل من قام بمصيبة".
وتابع علي قائلًا وهو يحاول إخافتي: "ونزيدك.. يقال إن رجلًا من القبيلة قرر ذات يوم الذهاب بمفرده لاستكشاف البئر ومعرفة ما يدور داخلها. وبالفعل مشى وحده، وبعد فترة وجيزة من غيابه، بدأ أهل القرية يسمعون صرخات استغاثة مدوية تأتي من جهة الوادي، صرخات تعبر عن عذاب شديد لا يتحمله بشر! وعندما هرع الناس وتجمعوا واتفقوا يمشيو يشوفوا مالو، صُدموا بمشهد مروع: وجدوا نصف جثته السفلي فقط ملقى على حافة البئر، أما النصف الآخر فلا يعلم إلا الله أين ذهب وكيف قُطع!".
كنت أنصت إليه مذهولًا وأنا حل فمي من قوة الصدمة والخوف، ليتابع علي وعيناه تلمعان: "وهناك قصة أخرى كيعاودوها الناس عن امرأة كانت تمر بجانب البئر ومعها طفلها الرضيع حديث الولادة. وفجأة شعرت بحاجة لقضاء حاجتها، فوضعت طفلها أرضًا بجانب البئر وابتعدت قليلًا لقضاء غرضها. وعندما سالات ورجعات، لم تجد سوى الفراغ؛ بحثت في كل مكان، قَلبت في كل القنات والزوايا بلا جدوى، واختفى الطفل تمامًا دون ترك أي أثر! وفين مشى؟ الله أعلم. هذه مجرد عينات من حوادث كثيرة جعلت الناس يخشون البئر ويقاطعونها".
الشك والبحث عن اليقين
ملأ علي رأسي بهواجس هذه القصة المرعبة. تظاهرت بمتابعة طريقي إلى المدرسة عاديًا، لكن عقلي طوال ذلك النهار لم يتوقف عن التفكير في كلامه. وبمجرد خروجي من المدرسة، أصبحت مثل المجنون؛ كنت أسأل كل من يصادمني من كبار السن وأهل القرية عن حقيقة بئر برهوت وهل هي حقًا بئر للجنون؟ وكان الجواب السائد دائمًا هو التحذير الصارم: "انسى عليك هاد الموضوع تمامًا، وعمرك تفكر تمشي لتما أو تجبد هاد الهضرة".
بقيت على هذه الحال من التفكير والقلق حتى نهاية الأسبوع. وفي الويكاند، قصدت المدينة لزيارة والدتي، وكان عندي هدف أساسي واحد من هذه المشية: أن أسألها لأستقيت المعلومات الصحيحة منها، حيت هي واعية ومثقفة. وبعد أن سلمت عليها، بادرتها بالأسئلة مباشرة وأخبرتها بكل ما قاله لي علي.
استمعت والدتي إليّ، ثم نظرت إلى وجهي المذعور وضحكات وقالت لطمأنتي: "انظر يا بني، صحيح أن ذلك المكان يكتنفه الغموض، وكاين كاع اللي قال بلي النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن ماءها هو شر ماء على وجه الأرض، ولكن لا يوجد أي دليل شرعي أو علمي يثبت أن الجن هم من بنوها أو يسكنونها. التفسير المنطقي والعلمي هو سقوط نيزك ضخم أو صخرة كبيرة من السماء في غابر الأزمان، تسببت بقوة ارتطامها بالشرة في حفر البئر بهذه الطريقة العملاقة. هذا كل ما في الأمر أولدي، وما يتداوله الناس مجرد أساطير وخرافات لا صحة لها".
الصراحة، هاد الهضرة ديال الوالدة خلاتني نرتاح بزاف واطمأن قلبي، وتأكدت أن كلام علي مجرد ترهات لإخافتي. ولكن الصراحة.. تمنيت لاحقًا لو أنها لم تقل لي ذلك! لأن ما أقدمت عليه وما حدث بعد ذلك سيثبت العكس تمامًا، وسيكون بمثابة الجحيم الذي فتح بابه فوق رأسي.
التحدي القاتل: حين يغلب الطيش العقل
عدت من عند والدتي وأنا مطمئن البال تمامًا، وتناسيت الموضوع كليًا ولم أعد أعطيه أي أهمية. مرت الأيام والأسابيع، وفي أحد الأيام كنت أنا وعلي نساعد جدي في أعمال حظيرة المواشي (الزريبة). لم أكن أطيق تلك الأعمال؛ كنا نقوم بجمع الأعلاف وتنظيف روث البهائم، وكما قلت لكم لم أكن معتادًا على هذا الشقاء في الغربة، لكنه فُرض عليّ كجزء من حياتي الجديدة وسط عائلة جدي.
بينما كنت أحمل الكلأ والربيع بجهد وأقدمه للأبقار، بدأ علي كعادته يضحك عليا ويستهزأ بيا وبطريقة عملي وقلة خبرتي، بهدف التقليل من شأني وإشعاري بأنني عاجز و"ولد المدنية المائع" الذي لا يصلح لحياة الدوار. في تلك اللحظة، استشاط دمي غضبًا وضاق صدري بتصرفاته المهينة، وطلعت ليا السخانة في راسي، وأردت أن أثبت له بكل طريقة أنني رجل شجاع، كابابل، ولا يهزني شيء.
نظرت إليه بنبرة تحدٍّ وقلت بصوت عالٍ: "أنت تستمر في الضحك والسخرية من كل ما أفعله وكأنك البطل المغوار الواعر! إن كنت شجاعًا حقًا وولد البلاد كما تدعي، فلنذهب معًا إلى بئر الجن تلك التي صدعت لي راسي بها، وهناك سنرى من منا الشجاع ومن الخواف الذي يختبئ وراء الهضرة!"
هنا علي جمع الضحكة فورًا، وتغيرت ملامحه، ونظر إليّ مصدومًا وقال: "هل تعي ما تقول أم أنك تتحدث هراءً؟" وجدت في ارتباكه فرصة سانحة لإحراجه والنيل من كبريائه، فقلت: "أعلم جيدًا ما أقول، إن كنت لا تخاف يلا معايا الليلة، أم أن شجاعتك تقتصر على الضحك والتنمر على تصرفاتي؟".
حاصرته بكلماتي أمام نفسه فلم يجد مفرًا سوى الموافقة لإنقاذ كبريائه وميحه ديال وجهو، رغم علامات التوجس والارتباك الجلية التي ظهرت على محياه وخربقت تفكيره. قال لي بنبرة قلقة مخنوقة: "خالد، هادشي ما فيهش اللعب، هادي راه بلاصة خطيرة ومقبرة". أجبته مستفزًا وأنا أخرج عيني فيه: "ها اللي قلنا! حدك غير الهضرة الخاوية، وعند الجد تولي بحال شي فار خايف!". كنت أتحدث بجرأة وثقة عمياء مستندًا إلى كلام والدتي بأن البئر مجرد حفرة نيزكية وأن الجن أساطير. استمررت في الضغط عليه وقمع كلامه حتى وافق مكرهًا، وكون غير ما وافقش!
ليلة الرحلة إلى الوادي الملعون
بعد موافقة علي، كان علينا انتظار فرصة سانحة للتسلل خارج المنزل دون أن يلحظنا أحد من العمام أو الجد. وجاءت الفرصة الذهبية عندما دُعيت العائلة بأكملها لحضور حفل زفاف كبير في الدوار، وتوجب على الجميع الذهاب. اتفقت أنا وعلي على الخطة؛ تذرعنا بالحاجة للدراسة والتحضير للامتحانات للبقاء في البيت، وفعلا انطلت الحيلة ونجحت الخطوة.
بمجرد خروج العائلة، تحركنا بسرعة. أخذ علي بندقية صيد قديمة (مكحلة) تعود لأبيه لزوم الحماية، وأخذت أنا مصباحًا يدويًا قويًا (بيل)، وتسللنا خارج المنزل في حدود الساعة الثامنة ليلًا وسط ظلام دامس. حاولنا الابتعاد عن مسالك الدوار دون إثارة الانتباه، لكن أحد الجيران لمح ضوءًا خافتًا فنادى علينا بصوت عالٍ في الليل: "مالكم فين غاديين في هاد الظلام والليل؟". لم نلتفت إليه ولم نجب، بل أطلقنا السيقان للريح راكضين في عتمة الخلا.
سِرنا في عتمة الليل لقرابة نصف ساعة وسط الخلا والقفار والوديان الموحشة، حتى وجدنا أنفسنا ندخل وسط واد برهوت. تزامن وصولنا مع رفع أذان العشاء؛ كان الصوت القادم من الدوار البعيد يصل إلينا ضعيفًا وخافتًا جدًا كأنه تحذير أخير من عالم الأحياء. التفتُّ إلى علي وقلت ونبضات قلبي تتسارع: "خصنا ندخلوا للبير نشوفوها ونخرجوا قبل ما يكملوا الناس الصلاة ويفيقوا بغيابنا". وافقني الرأي باختصار قائلًا: "صافي، مشات".
داخل البئر: الكارثة تنفجر
تقدمنا بخطوات بطيئة وحذرة وسط الظلام مستعينين بضوء المصباح حتى وقفنا مباشرة على فوهة البئر. في تلك اللحظة بالذات، انتابتني رهبة مرعبة لم أكن أتخيلها في حياتي كأني أقف على بوابة الجحيم؛ كانت الفتحة عملاقة ومتسعة بشكل مهول، لا يظهر لها حد أو قاع في الظلام الدامس. هنا همس علي في أذني بصوت مرتجف: "اسمعني يا خالد، بمجرد ما نبدأ بالهبوط، الزم ذكر الله وابقى تقرا القرآن في خاطرك".
بدأنا نحاول الهبوط والتزحلق لداخل البئر بشوية علينا. وفجأة، وبدون سابق إنذار، طار من عمق الظلام سرب ضخم من الحمام الأسود دفعة واحدة وبصوت أجنحة مرعب، خرجت منا الخلعة وتسمرنا في مكاننا من الرعب. تنفس علي الصعداء محاولًا تبديد التوتر، وبدأ يتحدث بكلام غريب في غير وقته، وقال لي: "بغيت نقول لك واحد الهضرة ونسيت؛ ملي تكون كتهضر مع شي حد من الناس ديال الدوار، حاول تهضر باللهجة ديالنا حيت إلا عرفوك براني السلوك ديالهم معاك غيتتبدل وما غيبقاوش يتيقوا فيك" أجبته مستعجلًا وخائفًا: "واخا واخا.. واش وقت هاد الهضرة دابا؟ زيد كمل واش غنبقاو هنا؟". قال: "أنا غير علمتك وصافي".
واصلنا الهبوط لعمق أكبر، وبدأنا نحس بنوع من الأمان حيت ما بانت لينا حتى شي حاجة غريبة أو غير طبيعية، وظننت أن كلام أمي كان صحيحًا 100%. وفي لحظة طيش طفولية وغرور لتبديد ما تبقى من خوف، أخذ علي البندقية (المكحلة) ووجهها للأعلى ثم تيرى (أطلق عيارًا ناريًا) في السماء ليجبر ما تبقى من الحمام على الطيران.
لكن الصدى والنتيجة كانت مدمرة وكارثية؛ بمجرد إطلاق الرصاصة، انبعثت غبرة سوداء كثيفة كالدخان من الجدران، واهتز المكان، وسقطت البندقية من يد علي بقوة، والأسوأ من ذلك.. أن قدم علي زلت ولم يجد ما يتمسك به، وهوى في عمق البئر السحيق! أطلق صرخة مدوية مفزعة مزقت سكون الوادي، ثم انقطع صوته وحسه بمرة.
الرعب الحقيقي والمواجهة الغامضة في القاع
تفتت أعصابي وعجزت عن التفكير والتصرف، وهزيت البيل وأنا كلي كنترعد، ووجهت ضوء المصباح نحو الأسفل أبحث عنه في قاع الظلمة. بعد لحظات من البحث، بان ليا علي معلقًا في واحدة من الحواف الصخرية الضيقة، شاد ومشبث ببديه بجوج وزاكي في مكانه بلا حركة. هبطت شوية تحت الحافة بحذر وأنا أحاول نمد له يدي بكل ما أوتيت من قوة لعله يمسك بها وأعتقو، لكن المسافة كانت طويلة بزاف وتفوق قدرتي على الوصول إليه.
حاولت جاهدًا وبكيت وشحبت حتى خارت قواي، وهو مسكين بقى صابر ومتشبث بتلك الصخرة والدموع في عينيه، حتى عياو يديه تمامًا وفلتت أصابعه، ليهوي ويسقط في قاع البئر السحيق! بقيت أستمع لصدى سقوطه واصطدامه بالأرض وصرخاته الناتجة عن الألم حتى انقطع الحس بمرة وخيم الصمت التام.
أخذت أناديه بالجهد: "علي! علي! جاوبني عفاك!" لكن دون أي مجيب. تملكني الرعب وأكلني تأنيب الضمير وبدأت أبكي كالمجنون: "أويلي يا عباد الله اش درت؟ أنا اللي جبتو لهاد الويل والمصيبة، وإلا مات غنكون أنا هو السباب في مقتله!". بقيت غارق في بكائي والخوف غيقتلني، ماشي بسبب ديك البلاصة المرعبة ولكن بسبب الذنب العظيم اللي تسببت فيه.
وفي الوقت اللي كنت فيه كنبكي وتأنيب الضمير غيقتلني، بدأت كنسَمّع واحد الأنين والآهات الخافتة جداً جاية من الأسفل. ضويت بالبيل وسط البر كنقلب على مصدر الصوت، وبان ليا منظر يقطع في القلب ويدمي العيون؛ كان علي مستلقيًا على ظهره، يمسك بساقه التي كانت مشتتة ومهرسة تماماً والدم كينزف منها بغزارة كأنه نافورة.
نزلت إليه بسرعة وأنا نعيط عليه: "علي مالك؟ واش قادر تهضر؟ واش كتسمعني؟" هز يديه المرتجفة بجهد كبير وحطها على فمه بحال كيقول ليا سكت ومتخرجش الصوت. قلت له والدموع في عيني: "غنْمشّي دابا كنجري نجيب الناس ديال الدوار باش يعتقوك ويخرجوك من هنا". شيّر بيده بسرعة وهو كيبكي ويقول ليا بصوت يملؤه الألم والوهن: "لا.. عفاك ما تمشيش وتخليني بوحدي في الظلام".
حيدت التريكو (القميص) ديالي بسرعة ولحتو ليه باش يزير بيه رجليه ويحاول يحبس نزيف الدم. بقيت مضوي ليه بالبيل وهو كيحاول يربط جرحه، وفجأة.. حسيت بشي حاجة باردة، لزجة، وضخمة دايزة وكتزحف فوق رجلي أنا!
في ديك اللحظة قلبي كان غيسكت من الفزع؛ ما حيلتي لعلي والنظر لحالته، ما حيلتي لراسي نشوف شنو هادشي اللي دايز عليا. ما قدرت ش نتحمل، وجهت ضوء المصباح مباشرة على رجلي نشوف شنو كاين.. وبان ليا واحد الحنش (ثعبان) أسود قد السخط، ضخم وعملاق بشكل لا يمكن تخيله! ما عقلتش على راسي من قوة الرعب الفطري، وفررت هاربًا خارج البئر كالمجنون وأنا كُنقول مستحيل يكون هادشي حقيقة، أكيد أنا في كابوس!
وادي الشياطين وظهور "الملك برهوت"
ركضت هائمًا على وجهي وسط الظلام الدامس باتجاه الدوار وعقلي مشتت كليًا ولا يستوعب ما يحدث، حتى اعترض طريقي فجأة رجل غامض واقف في وسط الخلا والقفار. نظر إليّ وقال بنبرة حادة وخشنة: "ماذا تفعل هنا يا بني في هذا الوقت المتأخر من الليل؟". أجبته وأنا أرتجف كالمسعور: "جئت أنا وابن عمي علي لاستكشاف البئر وسقط في الداخل".
هنا ملامح وجه الرجل تبدلات كليًا وانعقد حاجباه بغضب أسود وبدأ كيخنزر فيا بشكل مرعب وقال: "واش عارف العاقبة والمصيبة ديال هادشي اللي درتوه الليلة؟".
في اللحظة اللي كنت كنشوف فيها فيه وأنا عاجز عن الرد ولا أملك أي جواب، بدأت كنسَمّع صوت علي كيغوت ويصرخ من أعماق البئر بصوت غريب كأنه يتعرض للتعذيب. تملكني الذعر والخوف على ابن عمي، فربحتها بجرية عائدًا نحو فوهة البئر لأرى ما يحدث، وهناك كانت الصدمة الكبرى والزلزال الذي دمر عقلي؛ ملي وصلت للبير لقيت الفتحة والفتحة كاملة دايرين بيها قشلة من البشر والناس واقفين شاحبين كالموتى وصامتين دون أي حراك، والحناش والأفاعي الضخمة تخرج بغزارة من جوف البئر وتنساب بين أقدامهم!
تسمرت الدماء في عروقي وتجمدت في بلاصتي وما عرفت ما ندير من هول المشهد. بقيت واقف كنشوف حتى حسيت باليد الثقيلة ديال ذاك الراجل الغامض تحطات على رقبتي ودفعني بقوة نحو الأرض حتى طحت تحت أقدامهم، ثم مد يده وأمسك بأحد الثعابين الضخمة التي كانت تخرج من البئر وشقه بيده إلى نصفين بكل سهولة وألقاه فوق جسدي المرتعب!
شيّر بصبْعو جهة البير وقال ليا بصوت زلزل الوادي:
"أترى هذه الثعابين والأفاعي؟ هؤلاء في الحقيقة جن ومَردة وشياطين، كانوا مسجونين ومقيدين في قاع البئر منذ مئات السنين! وأنتما بطيشكما وإطلاقكما النار من تلك المكحلة كسرتم القيد وحررتموهم! والآن ليس أمامك سوى حل واحد وعاقبة واحدة: إما أن تلوح براسك في البير وتولي من الأتباع ديالي من الإنس، أو غيوقع ليك داكشي اللي وقع لولد عمك علي. واش عارف بلي أنا هو الملك برهوت؟ حاكم ومليك هذه الأرض بأكملها وما عليها!"
من قوة الصدمة والرعب، درت راسي بحال ما سمعتوش وزحفت بجهد نحو حافة البئر أبحث عن علي، ولشدة دهشتي وحيرتي، التفت خلفي فلقيت دوك الناس الواقفين كلهم غبروا واختفوا في رمشة عين كأنهم تبخروا! بدأت كنعط على علي بالجهد: "علي! علي!" ولكن والو، مابقاش في البلاصة اللي خليتو فيها وقاع البئر أصبح خاليًا. ومن هول الفاجعة، انطلقت أركض في الوادي كالمجنون وأنا أصرخ، ورأيت الثعابين تركض من حولي في كل اتجاه كأنها تهرب من خطب جسيم أو تستعد لشيء مرعب.
الكابوس والنهاية المريرة
بينما كنت أركض فاقدًا صوابي وروحي غتخرج، ظهر لي نفس الرجل (الملك برهوت) مجددًا من العدم، وقبض على عنقي بشدة مجهدة وحنى ليا راسي للأرض بقوة. وفي تلك اللحظة وأنا وجهي ملاصق للتراب، بدأت أسمع وأرى سنابك وخيل تقترب منا وتصدم نحو الأرض، وترجل منها ثلاثة مخلوقات بهيئة رجال، لكن مظهرهم كان يجسد الجحيم عينه؛ الأول كان جسده بلا يدين، والثاني كان مشوهًا بلا رجلين، أما الثالث والمصيبة الكبرى التي جعلت عقلي يطير.. فقد كان جسدًا كاملًا يمشي ولكن بلا رأس!
انفجرت بالبكاء والصراخ الهستيري وأنا أرى هؤلاء الأقزام والمخلوقات أمامي، وفجأة أفلتني ذلك الرجل وطرحني. حاولت النهوض والفرار مجددًا، لكنني كنت أركض بصعوبة بالغة وكأنني عالق في وحل لزج أو غيس، ورجليا بجوج تشلوا وما بقاوش كيهزوني. أخذوا يضحكون ويسخرون من محاولاتي البائسة للهرب، وقال لي ملك برهوت بصوته المرعب: "ما عندك فين تهرب منا، وخيارك الوحيد الآن لتكفر عن ذنبك وتنجو هو أن تلقي بنفسك في البير لتنضم إلى أتباعي، أو تموت ميتة علي".
أمام هذا الجحيم المطبق، ورأيت أن كل الأبواب قد سُدت في وجهي، وأن ابن عمي علي قد مات بسببي وبسبب طيشي ولم يعد لحياتي أي قيمة أو معنى، مشيت بخطوات ثقيلة نحو فوهة البئر، وقفت على الحافة، تشهدت ونطقت بالشهادتين، وألقيت بنفسي في الهاوية والسواد.
هبطت وسقطت في عالم من الظلام الحالك الذي لا ينتهي، ليتلقاني في الأسفل وحش مرعب وعملاق قائلًا بصوت أبح: "مرحباً بك في عالم الجن والشياطين!". أمسك بي وبدأ يعجن جسدي وعظامي بيديه الضخمتين كأنه يعجن العجين، ثم رفعني فوق رأسه عاليًا ولحني (ألقى بي) في الأرض بقوة، وتما فقدت الوعي بمرة وتلاشى كل شيء.
اليقظة المريرة والخاتمة
عندما أفقت وبدأت أحل عيني ببطء شديد، لقيت راسي مستلقيًا وسط الدار في بيت جدي! صرخت في داخلي وأنا أتنفس بسرعة: "أويلي يا عباد الله واش كاع هادشي كان غير حلم وكابوس؟ يا ربي يكون فعلا غير حلم!".
لقيت مالين الدار والعائلة كلهم مجموعين عليا وفوق الفراش اللي كنت ناعس فيه وعلامات الفزع والصدمة تعلو وجوههم والنساء كيبكيو. بدأوا كيعاودوا ليا شنو وقع بلي ملي رجعوا من العرس وما لقاوناش في الدار، خرجوا يقلبوا علينا في الدوار. وتصادفوا مع ذاك الجار اللي شافنا خارجين في الليل وقال لهم بلي شافنا شادين طريق الواد. تتبعوا الأثر نحو واد برهوت حتى لقاونا ملقيين ومطروحين فوق واحد العقبة ومرتفع صخري قريب من البئر؛ أنا كنت فاقدًا للوعي كليًا، أما علي مسكين.. فكان قد فارق الحياة وجثته باردة وساقه مهشمة تماماً!
قصصت عليهم وعاودت لهم كاع داكشي اللي شفت وداكشي اللي عشته من أهوال ومواجهة مع ملك برهوت والمخلوقات المرعبة في ذلك الوادي، ولكن حسيت بهم من نظراتهم وتكذيبهم أنهم ما تقونيش وجاهم داكشي مستحيل وصعيب يدخل للعقل البشري، وظنوا أن الصدمة وموت علي هي التي جعلتني أهلوس بهذه الخرافات.
لكنني أنا، خالد، أعلم اليقين.. أعلم أن علي لم يمت بمجرد سقوط عادي، بل لأن بئر برهوت قررت أن تأخذ قربانها السنوي، وأن ما رأيته كان الحقيقة المطلقة التي تقبع في وادي الظلمات! وهكا كانت القصة ديالي مع بئر برهوت وسالت هنا.
شاركونا آرائكم في التعليقات أسفل المقال: هل تعتقدون أن ما عاشه خالد كان حقيقة مرعبة وصادمة أم مجرد هلاوس صدمة ونوبة نفسية بسبب موت ابن عمه؟ وإذا أتيحت لكم الفرصة، هل تجرؤون على الاقتراب من وادي برهوت ليلاً؟

