النباش: عندما ينبش الجشع قبور اللعنة وتدفع العائلة الثمن


مقدمة: غريزة البقاء في كفة ميزان الشيطان

تولد السكينة في قلوب البشر من رحم الاستقرار، لكن في تلك البقاع المنسية من العالم، حيث تنام القرى خلف أسوار العزلة والصمت، تصبح لقمة العيش مغموسة بالدموع والتراب. اعتاد الآباء عبر العصور أن يقدموا أرواحهم، وأعمارهم، وصحتهم قرابين على مذبح الحياة لتأمين عيش أبنائهم، وضمان ألا يذوقوا مرارة العوز. لكن، ماذا يحدث عندما تنعكس الآية في مرآة مشوهة؟ ماذا لو كان الأب هو الجاني الذي يخط بيده نهاية مأساوية لعائلته بسبب جشع أعمى، وطمع تخطى حدود الأحياء ليتجرأ على حرمة الأموات؟

على تخوم قرية ريفية نائية، معزولة في ركن منسي من الأرض، امتدت مقبرة شاسعة كئيبة، بدت وكأنها تبتلع التل المجاور لها. هناك، بين شواهد القبور الصامتة والتراب الذي تفوح منه رائحة الفناء، دارت أحداث قصة بطلها رجل أكل الطمع قلبه، وظن أن أكفان الموتى قد تكون سبيلاً لثراء فاحش، فلم يحصد في النهاية سوى الرعب، الدمار، والضياع المطلق.

الفصل الأول: حارس الموتى وبيته المضيق

في تلك المقبرة الموحشة، التي كانت تستقبل موتى القرية والقرى المجاورة، كان يعمل رجل يُدعى "إبراهيم". لم يكن إبراهيم مجرد عامل عابر، بل كان حارس المقبرة، وحفار قبورها، والقائم على شؤونها كاملة. كان يقضي نهاره يضرب الأرض وفأسه ليمهد اللحد لمن غادروا الدنيا، ويقضي ليله يتفقد الممرات المظلمة بين الشواهد ليتأكد من عدم تسلل لصوص الجثث، أو أولئك الذين انقطعت صلتهم برحمة الله من السحرة والمشعوذين الذين ينتهكون حرمة الموتى لدفن تمائمهم الخبيثة.

كان إبراهيم متزوجاً من امرأة صبورة تُدعى "ربيعة"، امرأة ريفية بسيطة كل همها تربية طفليها. رزقهما الله بولد بكر في السابعة عشرة من عمره، شاب في مقتبل العمر يحمل ملامح والده، وبنت صغيرة في الثالثة عشرة من عمرها، كانت بمثابة النور الذي يضيء عتمة ذلك المكان.

ولكي يظل إبراهيم قريباً من عمله على مدار الساعة، خصصت له إدارة الأوقاف أو أعيان القرية بيتاً صغيراً بائساً، يكاد يلتصق بسور المقبرة الحجري. كان بيتاً ضيقاً بحجرتين متهالكتين، لكن العائلة كانت تقنع به، مستورة بتلك البركة الزهيدة من المال التي يتقاضاها إبراهيم مقابل كل قبر يحفره. ظل إبراهيم ثابتاً في عمله لسنوات، يعيش في سلام مع الموتى، حتى ذلك اليوم المشؤوم الذي انزلقت فيه قدمه وراء غواية الشيطان.

الفصل الثاني: بريق الذهب والخطوة الأولى نحو الهاوية

بدأ كل شيء في ظهيرة يوم خريفي عاصف. شهدت المقبرة جنازة مهيبة لامرأة من أعيان النواحي، عُرفت بثرائها الفاحش. قام إبراهيم بحفر القبر كالعادة، وجهز اللحد بعناية. وأثناء مراسم الدفن، وبينما كان الأهل يودعون فقيدتهم بدموع حارة، لمح إبراهيم شيئاً جعل نبضات قلبه تتسارع؛ لقد قام أهل المتوفاة، بدافع طقوس غريبة أو وصية قديمة، بدفن مجموعة من الحلي الذهبية الثمينة، وأساور تبرق تحت أشعة الشمس الخافتة، داخل كفنها مباشرة قبل إغلاق القبر بالبلاطات الطينية.

انصرف المشيعون بعد أن واروا الجثمان الثرى، وعاد إبراهيم إلى بيته الصغير. لكن صورة ذلك الذهب الدفين ظلت محفورة في مخيلته، تطرد النوم من عينيه. جلس في زاوية الغرفة صامتاً، وعقله يغلي بالأفكار الخبيثة:

"لماذا يُدفن هذا الذهب تحت التراب مع جسد سيبلى بعد أيام؟ ما نفع التبر للميت؟ ألسنا نحن الأحياء، الذين نعاني ضيق العيش ونكابد الفقر، أولى به لانتشال عائلتنا من هذا البؤس؟"

صارع إبراهيم ما تبقى من ضميره وصوت الحق في داخله. أخبر نفسه أن هذا جرم، وانتهاك لحرمة ميت لا يملك الدفاع عن نفسه. لكن الجشع كان كالنار في الهشيم، وزين له الشيطان سوء عمله.

انتظر إبراهيم حتى انتصف الليل، وتأكد من أن زوجته وأبناءه غارقون في نوم عميق. تسلل من فراشه بخطوات تشبه خطوات الثعالب، أخذ فأس ومجرفة وكشافاً ضوئياً صغيراً، وفتح الباب الخشبي الذي أصدر صريراً خفيفاً مزق الصمت.

مشى بين القبور تحت جنح الظلام، والرياح تباركه بصفيرها الموحش، حتى وصل إلى القبر الجديد. تردد للحظات، ونبضات قلبه تقرع صدره كالحجارة، لكنه داس على خوفه وبدأ يحفر بهستيرية. رفع التراب الرطب، أزاح البلاطات، ومد يده المرتجفة داخل ظلمة اللحد. شق الكفن برفق، ولمست أصابعه برودة الذهب المخلوط بالتراب. انتزع الحلي مسرعاً، وأعاد ردم القبر على عجل ليعيد المظهر كما كان، ثم قفل راجعاً إلى بيته والذعر يمتزج بفرحة الانتصار الفاحش في ملامحه.

دخل الدار يحبس أنفاسه، ليفاجأ بزوجته ربيعة مستيقظة جلست تتأمله بنظرات مريبة. ارتبك، وامتزجت في وجهه علامات الفزع بالدهشة. بادرت ربيعة بسؤاله بنبرة حادة:

  • "أين كنت في هذا الوقت المتأخر من الليل يا إبراهيم؟ وماذا تفعل بهذه المعدات؟" تعلثم في البداية، ثم حاول التملص:

  • "لا شيء يا امرأة.. قمت بجولة تفقدية في المقبرة، خشيت أن يكون هناك مشعوذون يتسللون في العتمة".

لم ينم إبراهيم تلك الليلة. ومع دقات الساعة التاسعة صباحاً، لم يطق كتمان السر الساخن في صدره. دعا ربيعة إلى الحجرة، وأغلق الباب، ثم أخرج العقد الذهبي والأساور التي تلمع بنور يخطو بالشر. شهقت ربيعة وصدمت، ووضعت يدها على فمها قائلة:

  • "ويلك يا إبراهيم! أهذا ذهب الجنازة بالأمس؟ ألم تخف الله؟ كيف تجرأت على نبش قبر امرأة ميتة وسرقتها؟ هذا مال حرام سيجلب علينا الخراب!"

لكن إبراهيم، الذي تملكه الطمع تماماً، بدأ يهدئ من روعها بكلمات معسولة مسمومة:

  • "اسمعي يا ربيعة، هذا الذهب لن ينفعها تحت الأرض، ولن يحاسبها الله عليه. نحن محتاجون، انظري إلى حالنا، إلى هذا البيت الضيق، إلى ثياب أبنائنا الرثة. بهذا المال سنرقع حالنا ونعيش كالبشر. إن ظفرنا بجنازتين كهذه في الشهر، سنودع الفقر إلى الأبد". وأمام إغراء البريق، بدأت مقاومة ربيعة تنهار. عماها الطمع هي الأخرى، ورأت في الجريمة مخرجاً من بؤسها، فوافقت على كتمان السر والمضي مع زوجها في هذا الدرب المظلم.

الفصل الثالث: الابتسامة الميتة والرعب الحقيقي

تحول نبش القبور من هفوة إلى مهنة سرية يعتاش عليها إبراهيم. أصبح ينتظر الجنازات بفارغ الصبر؛ فكلما دُفن ميت يظن أن وراءه صيداً، انتظر حتى ينام الكون، ليتسلل ويمارس طقوسه الخبيثة، يعود محملاً بالغنيمة ويزيف معالم القبر كأن شيئاً لم يكن.
واستمر الحال لشهور، حتى جاء يوم أُبلغ فيه بجنازة رجل غريب عن القرية. عاون إبراهيم أهل الميت في مراسم الدفن، ولما انصرف المشيعون وحل الليل الطويل، خرج إبراهيم بمعداته كالمعتاد.
وصل إلى القبر، حفر التراب، أزاح الحجر، وفتح الكفن. بدأ يفتش بين ثنايا القماش الأبيض بكل جرأة، لكنه صُدم؛ لم يجد ذهباً، ولا مالاً، ولا شيئاً ذا قيمة. شعر بخيبة أمل شديدة وتذمر في نفسه: "تباً.. تعبنا الليلة ذهب سدى". لكن، وبينما كان يهم بإغلاق الكفن، وجه ضوء كشافه نحو وجه الميت، فلمح بريقاً أصفراً ينبعث من فمه؛ لقد كان للميت سن ذهبية كبيرة ثُبتت في فكه العلوي.
لم يشأ إبراهيم أن يخرج خالي الوفاض. أخرج من جيبه سكيناً حادة، وثبّت رأس الميت بيده اليسرى، ثم غرز السكين في فمه ليقلع السن الذهبية. في تلك الثواني المعدودة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ سرت في جسد إبراهيم رعشة غريبة، قشعريرة باردة جمدت الدماء في عروقه كأن الموت نفسه يلمسه. والأنكى من ذلك، أنه عندما نظر إلى عيني الميت ليقيس ضربته، وجد أن عيني الجثة قد انفتحتا فجأة على وسعيهما!
تسمر إبراهيم في مكانه، وحبس أنفاسه. كانت حدقتا الميت شاحبتين، لكنهما تحركتا ببطء لتستقرا عليه مباشرة، وتنظران في أعماق عينيه بنظرة ملؤها الغيظ والتوعد. تحولت ملامح الجثة إلى ما يشبه الابتسامة الساخرة المرعبة.
تصلب الدم في ركبتي إبراهيم، وصرخ صرخة مكتومة في صدره. قفز خارج القبر بهستيرية، تاركاً السكين والمجرفة، وأطلق ساقيه للريح يركض نحو بيته كالمجنون، دون أن يكلف نفسه عناء ردم القبر أو ستر الكفن.
دخل الدار يلهث، وجهه شاحب كالموتى، وجبهته تقطر عرقاً بارداً رغماً عن برودة الجو. أغلق الباب الخشبي وارتمى خلفه يرتجف، واضعاً يديه على رأسه وهو يئن من الرعب. استيقظت ربيعة على صوت حركته المذعورة، واندفعت نحوه لتجده في حالة يرثى لها. سألته بخوف:
"ما بك يا إبراهيم؟ ما الذي حدث لك في المقبرة؟ أكلمك فلا تجيب!" نظر إليها بعينين زائغتين يملؤهما الندم والذعر، وقال بصوت متهدج:
"الميت.. الميت استيقظ.. الميت فتح عينيه ونظر إلي!"
لم تصدق ربيعة ما تسمع، وظنت أن زوجها أصابه مس أو خبل من كثرة تفكيره في المقابر. عاونته حتى أدخلته الفراش، لكنه ظل طوال الليل يرتجف ويهذي بهاتين الكلمتين: "الميت فاق.. الميت فاق"، حتى بزغت أولى خيوط الفجر وشرقت الشمس، عندها فقط هدأ روعه قليلاً واستسلم لنوم عميق من شدة الإنهاك النفسي.

الفصل الرابع: نذر الشؤم ورسائل من العالم الآخر

في تمام الساعة التاسعة صباحاً، استيقظ إبراهيم مفزوعاً. كان أول ما قفز إلى ذهنه هو القبر المفتوح؛ إن جاء أحد أقارب الميت أو زائر للمقبرة ورأى اللحد منبوشاً والجثة مشوهة الفم، فسيكون هو، الحارس والعساس، أول من تقع عليه التهمة والمسؤولية.

تحامل على جسده المنهك وتوجه مسرعاً نحو المقبرة، والخوف ينهش أمعاءه. بدأ يقترب من القبر خطوة بخطوة، يتطلع من بعيد ويحاول ألا يقترب كثيراً خشية أن يرى تلك العينين مجدداً. لكن المفاجأة التي شلت تفكيره كانت عندما وقف على حافة القبر؛ وجد التراب مردوماً بعناية فائقة، والبلاطات في مكانها، والكفن مستوراً وكأن يداً خفية، أو الميت نفسه، قد أصلح كل شيء وأعاد القبر إلى حالته الأصلية! شعر إبراهيم بمزيج من الراحة والذعر، وقال في نفسه: "ربما كنت واهماً باللمس.. ربما تراءى لي ذلك من التعب"، ثم عاد إلى بيته محاولاً إقناع نفسه بأنه نجا من الفضيحة.

لكن اللعنة كانت قد ضربت جذورها في الدار. في مساء ذلك اليوم، اجتمعت العائلة حول مائدة العشاء البسيطة في أمان الله. وفجأة، مزق هدوء الليل طرقات عنيفة متسارعة على الباب الخشبي: (طق.. طق.. طق!). انتفض إبراهيم من مكانه، وقصد الباب مسرعاً وفتحه، فلم يجد أحداً. خرج إلى الفناء الخارجي، وتطلع يميناً ويساراً تحت ضوء القمر، لكن الممرات كانت خاوية تماماً ولا أثر لأي كائن بشرى.

عاد إلى المائدة، فسألته ربيعة بقلق:

  • "من الطارق؟ هل هي جنازة ليلية مفاجئة؟" أجابها وهو يحاول إخفاء ارتباكه:

  • "لا أحد.. يبدو أن الرياح لعبت بالباب، أو أننا تخيلنا الأمر جماعة". وما إن جلس واستقر في مكانه، حتى عاد الطرق مجدداً، لكنه كان هذه المرة أقوى وأكثر إلحاحاً. نبتت الحيرة والخوف في قلوبهم جميعاً. نهضت ربيعة هذه المرة بنفسها، وفتحت الباب بقوة وخرجت لتستطلع الأمر.

لم تجد أحداً في الممر، لكن عند عتبة الباب مباشرة، كانت تقف قطة شديدة السواد، داكنة اللون كفحم الليل، وعيناها تشعان بريقاً أصفراً غريباً يذكر إبراهيم بذلك السن الذهبي. شعرت ربيعة بالشفقة والوجل معاً، وظنت أن القطة جائعة، فدخلت وأحضرت لها بعض بقايا الطعام ووضعته أمامها.

لكن القطة لم تلتفت للأكل نهائياً، ولم تعره أي اهتمام؛ بل ظلت شاخصة ببصرها، مخرجة عينيها بحدة، وتنظر مباشرة إلى داخل حجرة البيت نحو إبراهيم. تملك الرعب قلب ربيعة من هذا المنظر غير الطبيعي، وبدأت تتمتم بأنفاس متلاحقة:

  • "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.." وظلت تكرر التعوذ حتى تحركت القطة ببطء شديد، وتسللت بين شواهد القبور واختفت في عتمة المقبرة. عادت ربيعة إلى طاولة العشاء لكن شهيتها انقطعت، وحسّت في أعماقها أن هذه القطة لم تكن مجرد حيوان، بل كانت رسالة، تحذيراً صامتاً ونذير شؤم يخبرهم بأن القادم أسوأ، فكلنا يعلم أن ظهور القط الأسود بتلك الطريقة في العرف والميثولوجيا ليس فال خير أبداً.

لم تنته الرسائل هنا؛ ففي صباح اليوم التالي، دُفن ميت آخر في المقبرة. وأثناء انشغال إبراهيم بردم القبر وسط زحام المشيعين وصراخ النساء، لمح إبراهيم رجلاً يقف في مؤخرة الحشد. ركز بصره عليه، فشعر بأن ملامحه مألوفة جداً.. نعم، إنه هو! نفس الرجل صاحب السن الذهبي الذي نبش قبره بالأمس! كان يقف حياً يرزق وسط الناس، يرتدي جلباباً أبيض، وينظر إلى إبراهيم بابتسامة ساخرة مليئة بالتشفي.

تغيرت ملامح إبراهيم تماماً، وغلبه الخوف والارتباك أمام الناس. بدأ يتصرف بغرابة، يلتفت حوله، ويتصبب عرقاً غزيراً وينفض يديه كأنه يدفع عنه حشرات غير مرئية. لاحظ المشيعون حالته المريبة وظنوا أن أصابه جنون الحفر. من شدة ركضه وهلعه، نسي إبراهيم أن يأخذ أجرته من أهل الميت، وفر هارباً إلى بيته، مغلقاً الأبواب والنوافذ. كانت هذه المرة الأولى منذ سنوات التي يقرر فيها إبراهيم التوقف تماماً عن نبش القبور، معاهداً نفسه ألا يعود لهذا الفعل الخبيث أبداً علّ اللعنة تتركه وشأنه.

الفصل الخامس: نبوءة السوق وصوت الحوافر

مرت أيام وأسابيع، واستقرت حالة إبراهيم نسيباً؛ اختفى الطارق الليلي، ولم تعد القطة السوداء للظهور، وظن إبراهيم أن توبته القسرية قد شفت غليل الموتى. وجاء يوم السوق الأسبوعي في القرية، وهو اليوم الذي تذهب فيه ربيعة لتبضع مستلزمات البيت بينما يظل إبراهيم في المقبرة.

ذهبت ربيعة إلى السوق، وكان المكان يغص بالبشر والضجيج. وفي غمرة الزحام الشديد والتدافع، لم تشعر ربيعة بنفسها إلا وهي تصطدم بقوة بامرأة عجوز طاعنة في السن، ترتدي رداءً أسود بالياً وتضع وشاحاً يغطي معظم وجهها. تسببت الصدمة في سقوط العجوز على الأرض.

ارتبكت ربيعة واندفعت نحوها تعينها على النهوض، وهي تعتذر بإلحاح:

  • "المعذرة يا خالة، لم أقصد ذلك، الزحام شديد ولم أركِ.." لم تكمل ربيعة كلماتها، حتى أمسكت العجوز بيد ربيعة بقوة خارقة لا تتناسب مع سنها الهزيل. كانت أصابعها كالمخالب، وضغطت على معصم ربيعة حتى آلمتها، ثم قربت وجهها الشاحب وعينيها الغائرتين من أذن ربيعة، وهمست بصوت حاد كفحيح الأفاعي:

  • "شوفي يا بنتي.. قولي لزوجك إبراهيم إن للميت حرمة.. وإن الموتى لا يسامحون منتهكي قبورهم.. القصاص قادم!"

تسمرت ربيعة في مكانها، وصعقت من الكلمات. كيف لعجوز غريبة في السوق أن تعرف سرهم الذي لم يخرج من جدران بيتهم؟ عندما استجمعت شتات نفسها وتطلعت حولها لتسأل العجوز، كانت المرأة قد تغلغلت وسط حشود البشر واختفت كأنها تبخرت في الهواء.

تركت ربيعة قفتها وما اشترته، وركضت بكامل سرعتها نحو البيت، والدموع تملأ عينيها والخوف يقطع أنفاسها. دخلت الدار كالعاصفة، وجدت إبراهيم جالساً، فصرخت في وجهه بهستيرية غاضبة:

  • "لقد قلت لك مئة مرة أن تتوقف عن هذا المنكر! لكنك لم تسمع لي! أردت المال فجلبنا اللعنة! واش باغي تخرج علينا؟ واش ما كتخافش على أولادك؟" اندهش إبراهيم من هجومها وسألها مستنكراً:

  • "ما بك يا امرأة؟ ما الذي جرى لك في السوق؟" قالت وهي تبكي بحرقة:

  • "لقد التقتني امرأة عجوز وسط الزحام، امرأة تعرف كل خطاياك ونبشك للقبور، وقالت لي بالحرف إن للميت حرمة والقصاص قادم! لقد فُضح أمرنا وسقنا الأخبار بين الناس والجن!"

ثارت ثائرة إبراهيم، ووضع يده على فمها ليخرسها، وقال بغضب مكتوم:

  • "هل جننتِ؟ من يمكنه رؤيتي وأنا أحفر في ظلمات الليل؟ تلك مجرد عجوز مخرفة تخمن، أو أنك تتخيلين الأشياء من خوفك. لا تفتحي هذا الموضوع معي مجدداً، أنا أعرف ما أفعل!" انكفأت ربيعة على نفسها ودخلت حجرتها تبكي بصمت، شاعرة بأن حبل المشنقة يلتف حول عنق عائلتها الصغيرة.

لجأ إبراهيم للهدوء مجدداً، واستمر في تمنعه عن الحفر لأسابيع. لكن الفقر عاد ليدق بابه بقسوة؛ فالأجر الزهيد الذي يتقاضاه لم يعد يكفي قمع جوع أبنائه، وتذكر الأيام الخوالي عندما كان الذهب يتدفق بين يديه والمال متوفراً بلا حساب. أغواه الشيطان مرة أخرى، وضغطت عليه الحاجة، فقال في نفسه: "ستكون هذه هي المرة الأخيرة.. قبر واحد فقط أؤمن به قوتاً للأشهر القادمة ثم أعتزل نهائياً".

استقبلت المقبرة جنازة جديدة. وانتظر إبراهيم الساعات التي تسبق الفجر، وهي الأشد عتمة وصمتاً. أخذ فأس ومجرفة وتوجه نحو اللحد الجديد. بدأ يحفر بهمة ويستخرج التراب حتى وصل إلى الجسد، وبينما كان يهم بفتح الكفن، تناهى إلى مسامعه صوت مألوف جداً.. إنه صوت زوجته ربيعة وهي تناديه بنبرة حزينة باكية من بعيد: (إبراهيم.. إبراهيم..).

توقف إبراهيم، وترك معداته، وركض مسرعاً نحو البيت الخشبي خشية أن تكون قد استيقظت واكتشفت غيابه. دخل الدار، وجد الأنوار مطفأة وربيعة غارقة في نومها ولا تبدي أي حركة. تنفس الصعداء وقال: "لا بد أنها تهيؤات من عقلي الباطن الخائف".

قفل راجعاً إلى القبر ليتم عمله، وما إن اقترب من اللحد المنبوش حتى سمع الصوت مجدداً، لكنه كان أقرب هذه المرة: (إبراهيم..). تطلع حوله بين شواهد القبور، فلمح طيف امرأة وشبحها يتحرك وسط الظلال. قال بنبرة مرتجفة:

  • "ربيعة؟ ما الذي جاء بك إلى هنا في هذا الوقت؟ عودي إلى البيت!" لم يجبه الطيف، بل بدأ يتقدم نحوه بخطوات وئيدة صامتة وسط العتمة. وقف إبراهيم مكانه متسمراً وفمه مفتوح من الدهشة والوجل. عندما اقترب الطيف وصار على بعد خطوات قليلة، وجه إبراهيم كشافه الضوئي نحو الأسفل ليرى إن كانت زوجته حقاً، وهنا جمد الماء في ركبتيه وسقط كشافه على الأرض؛ لم تكن للمرأة أقدام بشرية، بل كانت تنتهي بحوافر حيوانية مشقوقة، مغطاة بالشعر الكثيف، كأنها الكائن الأسطوري المرعب الملقب بـ "عائشة قنديشة" أو "بغلة القبور"!

تطلعت إليه المخلوقة، وقالت بصوت أجش غريب، صوت مركب مرعب لا يمت لزوجته بصلة:

  • "أعد لي أمانتي.. أعد ما سرقته من بطن الأرض!" لم يشعر إبراهيم كيف تحركت ساقاه؛ فر كالكلب المذعور، يصرخ بلا صوت، واقتحم باب بيته وأغلقه بالمزلاج، وارتمى تحت غطائه يرتجف ويسنانه تصطك ببعضها البعض، بينما ظل فحيح تلك الكلمات يتردد في أذنيه ولا يفارقه.

الفصل السادس: الثمن الفادح والخراب المطلق

حاولت ربيعة في الصباح استجوابه بعد أن رأت وجهه المخطوف المائل للاصفرار، لكنه رفض الحديث وانكمش على نفسه. بدأت ربيعة تقرأ المعوذات وآيات من القرآن في أرجاء البيت، وقالت له بإلحاح:

  • "يجب أن تذهب إلى شيخ القرية (الفقيه)، وتعرض عليه حالك وما تراه من أهوال لعله يجد لك مخرجاً أو رقية تقيك هذا المس". صرخ فيها إبراهيم بغضب وخوف:

  • "هل جننتِ؟ هل تريدينني أن أذهب للشيخ وأقول له: يا فضيلة الشيخ، أنا أنبش قبور الموتى وأسرق أكفانهم، ولهذا تطاردني الجن والشياطين؟ سيبلغ عني السلطات وأقضي حياتي في السجن!" ردت ربيعة بذكاء مستميت:

  • "لا تقل له أنك تسرق القبور! اذهب واشكُ له ما تراه من كوابيس، وعن العجوز التي تلاحقني في السوق، وعن البيت الملاصق للمقبرة، دون ذكر السرقة".

اقتنع إبراهيم على مضض. وفي اليوم التالي، أحضر الشيخ إلى البيت. استمع الشيخ إلى إبراهيم وهو يروي له ما يراه من خيالات، وظهور القطة السوداء، والطرقات. سكت الشيخ لبرهة، وهز رأسه وقال بنبرة قلقة:

  • "يا إبراهيم، الجن لا يؤذي إنساناً في مسكنه إلا إذا أذاه الإنسي أولاً. فكر جيداً.. هل سكبت ماءً ساخناً في وادٍ أو ممر؟ هل آذيت حيواناً؟ هذا البيت محسوب على أرض المقبرة، وحرمتها شديدة". أجاب إبراهيم وهو يتصبب عرقاً ويزدرد ريقه بصعوبة:

  • "لا يا فقيه.. لم أفعل شيئاً من هذا، أنا رجل مسالم أحفر القبور وأمضي". تنهد الشيخ وقال:

  • "على كل حال، سأقوم بتحصين الدار وقراءة ما تيسر من القرآن والرقية الشرعية، والكمال على الله". قرأ الشيخ في أركان البيت، ورش ماءً مقرأً عليه، ثم انصرف.

لكن تحصين البيوت لا يحمي من عقاب الموتى إن كانت النفوس خبيثة. في تلك الليلة، ما إن غط إبراهيم في النوم حتى داهمه كابوس مروع؛ رأى ابنه البكر يقف وسط المقبرة وهو يصرخ ويستغيث، وعندما ركض إبراهيم نحوه ليخلصه، وجد أن الابن مدفون حتى عنقه داخل قبر موحش، والتراب يطبق على صدره وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.

استيقظ إبراهيم من الكابوس وهو يصرخ ويلهث، لكن صراخه تداخل مع صوت حقيقي يأتي من خارج البيت؛ كان صوت ربيعة وهي تولول، تصرخ بأعلى صوتها وتلطم وجهها في الفناء الخارجي: "ولدي.. مات ولدي.. انقذوني!".

ركض إبراهيم إلى الخارج وهو يتعثر في جلبابه، ليجد ربيعة جاثية على الركبتين، تحتضن جسد ابنهما البكر الشاب، الذي كان جثة هامدة، وجهه شاحب وعيناه جاحظتان تماماً كأعين الموتى الذين كان إبراهيم ينبش قبورهم.

عندما حل الصباح، تم دفن الشاب وسط أجواء من الحزن الذي يقطع القلوب. جلس إبراهيم مكسوراً مذهولاً، يعلم في قرارة نفسه أن ابنه كان القربان الأول للعنة. سأل زوجته ربيعة بعد انصراف الناس:

  • "كيف حدث هذا؟ كيف مات الولد فجأة دون مرض؟" أجابته وهي تشهق بالبكاء:

  • "لقد استيقظت في منتصف الليل على صوت صراخه واستغاثته، وجدته قد ركض نحو المقابر كأنه مساق بالقوة. وعندما لحقت به، وجدته يسقط أرضاً وتفيض روحه إلى بارئها وكأن شيئاً ما قد أفزعه حتى الموت!"

وفي مجلس العزاء المقام في فناء البيت الصغير، تكررت المأساة؛ لمحت ربيعة العجوز نفسها التي التقتها في السوق تجلس في زاوية العزاء بين النساء، ترتدي سوادها البالي وتنظر إليها بنظرات باردة كالثلج. تقدمت العجوز بخطواتها الثقيلة نحو ربيعة، وهمست لها:

  • "ألم أحذركِ؟ ألم أقل لكِ إن للميت حرمة؟ أنتِ لم تبلغي زوجكِ بما أوصيتكِ به، وها هو الثمن!" صرخت ربيعة في وجهها وهي منهارة:

  • "ابتعدي عني أيتها الساحرة الشمطاء! ألا ترين مصيبتي وحالي؟ ارحلي من هنا!" تطلعت العجوز بنظرات خبيثة نحو الابنة الصغيرة ذات الثلاثة عشر ربيعاً، والتي كانت تبكي أخاها في الزاوية، وقالت للعجوز بنبرة متوعدة:

  • "أليس حراماً.. أليس من الظلم أن يدفن هذا الوجه الجميل، هذه البنت الطاهرة، بجانب أخيها قريباً في هذه المقبرة؟" جن جنون ربيعة، وانفجرت في وجهها كاللبيئة الجريحة:

  • "أقسم بالله العظيم، إن أصاب ابنتي أي مكروه، سأقتلكِ بيداي هاتين وأمحوكِ من فوق الأرض!" انسحبت العجوز ببطء، متهادية بمشيتها الثقيلة المريبة وسط القبور حتى اختفت تماماً عن الأنظار.

الفصل السابع: الخاتمة والاختفاء الغامض

انتهت أيام العزاء الثلاثة، لكن الخراب كان قد استقر في النفوس. مشت ربيعة نحو زوجها إبراهيم، وعيناها حمراوان كالجمر، وقالت له بنبرة ميتة خالية من أي مشاعر:

  • "أنت السبب.. أنت من قتلت ابني بجشعك وطمعك الفاحش.. قلبي ومشاعر الأمومة في صدري تخبرني أن كل ما حل بنا هو عقاب من الله ومن الموتى بسبب أفعالك الخبيثة وسرقتك للأكفان!" حاول إبراهيم التملص والكذب مجدداً لعله يحفظ ما تبقى من كرامته:

  • "اتقي الله يا امرأة! أنا لم أفعل شيئاً هذه المدة، ما حدث لابننا هو قضاء الله وقدره، ولكل أجل كتاب".

لكن اللعنة لم تتركه ينام؛ ففي الليلة التالية، عاوده نفس الكابوس المزعج: ابنه يصرخ من تحت التراب ويستغيث. تكرر الكابوس في الليلة الثانية، ثم الثالثة، حتى صار إبراهيم يرى ابنه في يقظته ومنامه. تملكه هوس غريب، وفقد عقله ورشده، وقال في نفسه: "يجب أن أذهب وأحفر قبر ابني.. يجب أن أفتح كفنه لأرى إن كان يعذب في لحده، أو أن أحداً يؤذيه!". لقد أصبح فتح القبور ونبشها بالنسبة لإبراهيم أمراً سهلاً كشرب الماء، بعد أن مات قلبه وتدنس ضميره.

انتظر الساعات المعهودة قبل الفجر، حمل فاحشه ومجرفته وتسلل نحو قبر ابنه البكر. بدأ يحفر بجنون، والتراب يتطاير حوله. لكن ما لم يحسب له حساباً، هو أن ربيعة كانت ساهرة، تراقب تحركاته وعيونها لا تنام من شدة خوفها على ابنتها.

تبعت إبراهيم في الظلام بخطوات صامتة، ولما وصل إلى اللحد ورفع البلاطات وهم بفتح كفن ابنه، وقفت ربيعة على حافة القبر كالقضاء المستعجل، وصاحت فيه بصوت مزق سكون الليل:

  • "حتى قبر ابنك لم يسلم منك يا إبراهيم؟ أإلى هذه الدرجة وصلت بك الدناءة والجنون؟ ألم يكفِك أنك تسببت في موته، وتريد الآن انتهاك حرمة جسده وهو في دار الحق؟ لم يتبقَ لك سوا جثة ابنك لتسرقها؟"

سقط الفأس من يد إبراهيم، وتطلع إليها بعينين ذليلتين من قاع القبر. في تلك اللحظة، مات كل شيء جميل في قلب ربيعة تجاه هذا الرجل؛ سقطت من عينيها كل مشاعر الاحترام والزوجية، واشمأزت من رؤية وجهه.

مع شروق شمس اليوم التالي، حزمت ربيعة أمتعتها القليلة، وأمسكت بيد ابنتها الصغيرة، وغادرت ذلك البيت الملعون وتلك المقبرة الموحشة متوجهة إلى بيت أهلها في قرية بعيدة، تاركة إبراهيم وحيداً، منبوذاً، ينهشه المرض النفسي والجنون وسط شواهد القبور الصامتة.

مرت شهور على هذا الحال، وإبراهيم يعيش كالمجاذيب؛ يكلم نفسه، ويهيم بين القبور ليلاً ونهاراً، وجهه مسود وشعره أشعث. وفي أحد الأيام، قدم حشد من أهل القرية ليدفنوا جنازة شخص متوفى، لكنهم عندما وصلوا للمقبرة، لم يجدوا إبراهيم الحارس لتهيئ اللحد كالعادة. تذمر الناس وقاموا بحفر القبر بأنفسهم وقضوا غرضهم.

لكن الأيام مرت، وإبراهيم لا يزال غائباً. بحثوا عنه في بيته الصغير، فوجدوا الأبواب مشرعة والمعدات ملقاة على الأرض، والتراب يغطي الفراش. بحثوا عنه في أرجاء المقبرة، وفي الآبار القريبة، وفي غابات التل المجاور، لكنهم لم يعثروا له على أي أثر؛ اختفى إبراهيم غيبة واحدة كأنه تبخر في الهواء أو ابتلعته الأرض.

لم يعلم أحد حتى يومنا هذا ما هي نهاية إبراهيم الحقيقية؛ هل اختطفته الكائنات الخفية وجن المقابر كقصاص عادل لانتهاكه حرمة الموتى؟ أم أنه هام على وجهه في القفار والبراري حتى مات جوعاً وعطشاً وبلعت السباع جثته فلا يجد لحداً يستر جسده، جزاءً وفاقاً لما اقترفته يداه بحق أكفان الآخرين؟

كانت هذه قصة النباش يا صديقي.. لعنة الطمع التي تعمي الأبصار، وتذكرنا دائماً بأن للموت حرمة لا يجب أن تُنتهك، وأن أموال السحت لا تجلب سوى الخراب والدمار للأحياء قبل الأموات.

لمشاهدة القصة على يوتيوب اضغط هنا 



تعليقات