وريث العهد السفلي: سر الخاتم الأزرق وحرب الممالك السبع
مقدمة: الغموض الذي يبتلع العقل
لطالما سمعنا عن الجن والعالم الآخر، ذلك البعد الخفي الذي يتقاطع مع دنيانا دون أن نراه. تظل الأسئلة الحائرة تدور في أذهاننا: أين يقع هذا العالم؟ هل يعيشون معنا في نفس الحجرات والدروب ولكن حجبتهم الأبصار؟ أم أن لهم عوالمهم الخاصة وقوانينهم المستقلة؟ شحاَل ما حاولت النبش في أسرار هذا العالم، لن تجد سوى غموضٍ يزداد عمقاً وصدمات تتوالى. فهل يمكن لإنسي أن يقتحم هذا العالم ويخرج منه سالماً؟
أنا "علي" من مملكة البحرين، وهذه حكايتي التي بدأت من تفصيل صغير في جسد جدي "فوزان"، تفصيل تحول إلى مفتاح لبوابة الجحيم، وجعلني طرفاً في حرب ملحمية دارت رحاها في العالم السفلي.
الفصل الأول: رمز الجد والزائر الطويل
منذ سنوات طفولتي الأولى، حليت عيني على الدنيا لأجد جدي فوزان متميزاً بخاتم غريب لا يفارق خنصره أبداً. كان خاتماً ضخماً، مهيباً، صُنع من فضة عتيقة تتوسطه حجرة زرقاء تشع ببريق غامض يأسر الأبصار. كان هذا الخاتم لغزاً يورق مضجعي؛ فجدي لم يكن ينزعه تحت أي ظرف، سواء كان نائماً، أو مريضاً، أو يغتسل، حتى غدا الخاتم جزءاً لا يتجزأ من جسده ورمزاً لهويته.
كنت مقرباً جداً من جدي في طفولتي، كان صديقي الأول وملجأي قبل أن أتعرف على أصدقاء في الخارج. كان يأخذني معه أينما ارتحل، لكنني كنت أشعر دائماً بهالة من الغموض تحيط به، كأنه يحمل وراء ظهره سراً ثقيلاً لا يعلمه أحد.
بدأ كل شيء في ليلة شتوية عاصفة، كنت حينها في الخامسة أو السادسة من عمري. أخذني جدي لأبيت في منزله القديم. كان البيت مبنياً على الطراز العتيق؛ حيث تتوسطه باحة واسعة مكشوفة تُسمى "المراح"، وتتوزع حولها الغرف، وفي وسط المراح غُرست شجرة سدر ضخمة.
في منتصف الليل، والبرد القارس ينهش العظام كأنه السم القاطع، كنت متكمشاً تحت الأغطية الثقيلة أحاول التماس الدفء. فجأة، اهتز سكون الليل بصوت عنيف؛ انفتح باب الغرفة بقوة خارقة وجُذب على مصراعيه. جف النوم من عيني وتملكتني الرعدة، ونظرت عبر الظلام نحو "المراح" لأرى مشهداً جمد الدماء في عروقي.
كان هناك رجل طويل القامة بشكل مرعب، كان أطول من شجرة السدر القائمة في الباحة، يرتدي ملحفاً أبيض ناصعاً يشبه "السلهام" المغربي، وكان يشع بريقاً خافتاً تحت ضوء القمر. بدأ هذا الكائن يتمشى ببطء شديد، يذهب ويجيء ويدور حول الشجرة بخطوات صامتة ومهيبة.
انكمشت تحت دثاري، وحبست أنفاسي، وكنت أسمع دقات قلبي تقرع صدري بعنف هائل (زدم.. زدم.. زدم). لم يكن شكل الرجل مخيفاً بالمعنى التقليدي، لكن الموقف نفسه كان مشحوناً برعب نفسي لا يطيقه عقلي الصغير. ظل يذرع المكان جيئة وذهاباً لقرابة الساعة، حتى اختفى فجأة وكأنه تبخر. بقيت طوال الليل متقوقعاً، أرفض إخراج رأسي من تحت الغطاء حتى لاحت خيوط الفجر، وشعرت أن تلك الليلة امتدت لعشر سنوات من الجحيم.
الفصل الثاني: اعتراف الجد وسر "سمور"
مع شروق الشمس، ركضت نحو غرفة جدي ودموع الذعر تملأ عيني. أيقظته بهستيرية وأنا أرتجف:
"جدي! استيقظ أرجوك! كان هناك رجل طويل جداً كعمود الإنارة، يرتدي الأبيض، ويتمشى في باحة الدار طوال الليل!"
نظر إلي جدي، وبدلاً من أن يفزع، ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، ثم أطلق ضحكة خفيفة زادت من حيرتي. تذمرت قائلاً:
"جدي، أنا لا أمزح! والله لقد رأيته، كنت سأموّت من الخوف، ألا تصدقني؟" وضع جدي يده الحانية على رأسي وقال بنبرة مطمئنة:
"أنا أصدقك يا بني، بل وأنا أيضاً رأيته".
صعقت من إجابته وسألته بفضول طفولي متلاحق:
"رأيته؟! وكيف تركه يدخل بيتك؟ هل هو صديقك؟ شكون هذا الرجل يا جدي؟" هدأ جدي من روعي وقال:
"لا تخف يا علي، هذا ليس إنساناً، بل هو صديق لي من العالم الآخر.. اسمه (سمور)، وهو لا يؤذينا، وسترى وجوده معنا في هذا البيت دائماً، فلا تخشَ منه شيئاً".
ومع مرور السنوات، اعتاد عقلي على رؤية ذلك الطيف الأبيض يتجول في أرجاء بيت جدي، وأصبح الأمر بالنسبة لي طبيعياً. وعندما كبرت قليلاً وبلغت سن الوعي، تجرأت وسألت جدي عن ذلك الخاتم الذي لا يفارق صبعه، فأجابني بجملة مبهمة غرسها في أعماقي:
"يا بني، هذا الخاتم هو درعي الوحيد الذي يحميني من أهوال العالم السفلي وجحيمه".
الفصل الثالث: فتح الرمانة والسر الدفين
دارت عقارب الساعة، ومرت السنوات، وبدأ الوهن يدب في جسد جدي حتى أقعده المرض ليلزم الفراش. كنت أحبه أكثر من أي شخص في العائلة، لذا نذرت نفسي لخدمته؛ أطعمه، وأغسله، وأعينه على قضاء حوائجه. ورغم مرضه العضال، كانت روحه مرحة لا تفارقه النكتة والابتسامة.
وفي أحد الأيام، بعد أن انتهيت من تنظيفه وإطعامة، نظر إلي جدي بنظرة عميقة ومختلفة، وقال بصوت واهن:
"اقترب مني يا علي.. باغي نهضر معك في أمر هام". جلست عند رأسه مستطلعاً، فقال:
"لقد حان الوقت اليوم لنفشخ الرمانة (نكشف السر) التي شغلت بالك طويلاً.. سأخبرك بسر الخاتم الأزرق، وسر صديقنا سمور الذي تراه منذ صغرك، لكن عليك أن تعطيني عهداً غليظاً بأن يظل هذا السر دفيناً بيني وبينك، وألا تخبر به مخلوقاً مهما حدث".
أحسست بانقباض في قلبي وأدركت أن القضية حامية، فتنهدت وأعطيته عهدي. اعتدل جدي في جلسته وعاد بذاكرته إلى الوراء قائلاً:
"سأعود بك يا ولدي إلى خمسين عاماً خلت، أيام الشباب والصحة. كنت آنذاك أعمل مع مجموعة من البحارة على متن سفينة كبيرة نخرق بها البحار لجمع اللؤلؤ. كنا نقضي العام بطوله في عرض البحر، وفي نهاية الموسم نبيع ما جمعناه ونقتسم الأرباح.
ذات يوم، ارتديت معدات الغوص وتلاحت (قفزت) في أعماق البحر. بدأت بالهبوط إلى القاع، والظلام يشتد من حولي والأسماك بمختلف أنواعها تحيط بي في عالم مرعب لا يدخله إلا ذو قلب حديدي. وعندما اقتربت من القاع، لمح بؤرة ضوء زرقاء تبرق وسط الرمال.
اندفعت نحوها، وقاتلت التيارات حتى انتشلتها؛ لم تكن سوى هذه الحجرة الزرقاء المثبتة في الخاتم الذي تراه في يدي. خبأتها في جيبي، وجمعت ما تيسر من اللؤلؤ، ثم صعدت إلى السفينة. انزويت في ركن هادئ، وبدأت أنظف الحجرة من الأوساخ العالقة بها، ووضعتها في صباعي، وشعرت حينها أن هذا الشيء ليس مجرد خاتم عادي، وظننت أن الله قد ساق لي ثراءً لا ينضب.
حل الليل، وتناولنا عشاءنا ونمنا من شدة الإنهاك. لكن نومنا لم يدم؛ إذ استيقظنا على صراخ مرعب يمزق الصمت من خارج السفينة: (يا عباد الله.. أنقذوني!).
ركضنا إلى السطح، كانت الأمواج تتلاطم والظلام دامساً، ولم نتبين مصدر الصوت أو من الذي سقط في البحر. تفتشنا يميناً ويساراً دون جدوى، حتى اختفى الصوت، فعلمنا أن البحر قد ابتلعه. وبينما نحن نتحسر على رفيقنا، وقعت الكارثة الكبرى التي لا يتقبلها عقل بشر".
الفصل الرابع: ليلة السفينة الملعونة
تابع جدي وسرد تفاصيل تلك الليلة وعيني شاخصة وفمي مفتوح من الصدمة:
"بينما كنا واقفين، رأينا فجأة أحد البحارة يُرفع في الهواء بقوة غير مرئية، وكأن يداً خفية قذفت به في عرض البحر ليرتطم بالماء ويصرخ مستغيثاً! لم نكد نستوعب الصدمة حتى رُفع بحار ثانٍ، ثم ثالث.. تلاحق السقوط في جو من الرعب المطلق. تخيل نفسك فوق سفينة في أعماق المحيط، والظلام يلفك، وتكاد تسمع فقط صوت الموج، وترى أصدقاءك يُختطفون واحداً تلو الآخر ويُلقون في الهاوية حتى يتقطع حسهم تماماً!
وقفت في مكاني، جف الخوف في عروقي، وانتظرت نوبتي، حتى التفت حولي ووجدت نفسي وحيداً تماماً على متن السفينة. تمنيت في تلك اللحظة أن يأتي ما أخذ أصحابي ليأخذني ويريحني من هذا الانتظار القاتل للمجهول والموت. وفجأة، سمعت ضحكة خبيثة تردد صداها في الأرجاء، واشتعلت النيران فوق سطح الماء! بدأت النيران تحاصر السفينة من كل الاتجاهات حتى أمسكت بالأخشاب وبدأت تلتهمها.
خررت على ركبتي، ونطقت الشهادتين، وبدأت أستغفر الله عن كل ذنوبي وأنا أرتجف بهستيرية. وفي اللحظة التي ظننت فيها أن النهاية قد حانت، هبت عاصفة هوجاء محملة بمطر غزير أطفأ النيران، ومن وسط الدخان، خرج لي ذلك الرجل الطويل بلباسه الأبيض.. نعم، إنه (سمور).
كان ذلك لقائي الأول به، وتملكتني نفس الخلعة التي أصابتك حين رأيته أول مرة، بل وأكثر لأنني ظننته هو من قتل أصحابي. لكنه تقدم مني، ونطق اسمي بصوت جهوري: (لا تخف يا فوزان.. اقترب مني). حملني بين يديه كأني ريشة خفيفة، وغبت عن الوعي.
استيقظت لأجد نفسي ملقى على شاطئ غريب، ورجل مسن يحاول إيقاظي. ادعيت أمامه أنني بحار غرقت سفينتي، فأخذني شفقاً به إلى مزرعته (فيرمته) البعيدة ليعيشني معه ومع عائلته كابن له. وفي ليلتي الأولى هناك، جاءني سمور في المنام وقال لي:
(أنا من الجن، ولكنني من الجن المسلم.. لن أؤذيك، وستراني يومياً. لكن اعلم أن هذا الخاتم الأزرق الذي في يدك أصبح أمانتك، وإياك أن تنزعه من صباعك؛ فبمجرد نزعه ستنتهي حياتك، لأنك أصبحت هدفاً للجن الكافر الذين يتربصون بك، وسيفعلون بك ما فعلوه بأصحابك على السفينة)".
الفصل الخامس: نبوءة الملك "صابور" وتحرير الأميرة
استفسر جدي من سمور في ليلة أخرى عن قصة هذا الخاتم وعلاقته بالجن الكافر، فكشف له سمور الحكاية كاملة:
"نحن الجن المسلم، كانت لدينا مملكة من أقوى ممالك العالم السفلي قبل آلاف السنين في أرض بابل، وكان يحكمنا ملك عظيم شجاع يُدعى (الملك صابور). بفضل قوته، وحد قبائل الجن المسلمة وشكل جيشاً لا يقهر ليتصدى للجن الكافر الذين كانوا يطمعون في غزو مملكتنا للاستيلاء على (الزئبق الأزرق) الثمين المتوفر لدينا. وكنت أنا (سمور) اليد اليمنى لهذا الملك.
كان الملك صابور متزوجاً من جنية غاية في الجمال تُدعى (هند)، وكان يحبها حباً جماً لدرجة أنه لم يتزوج عليها قط رغم صلاحياته كملك. ورزقهما الله بأميرة صغيرة فاقت أمها جمالاً، حتى باتت تُعرف في كل الممالك بأنها أجمل جميلات الجن. وعندما بلغت سن الزواج، أرسل ملك الجن الكافر، ويُدعى (الملك ساسان)، مرسولاً بطلب زواج منها.
قرأ الملك صابور الرسالة، فاستشاط غضباً وحرقها أمام المرسول قائلاً: (نحن لا نزوج بناتنا للكفار الفجار!). أعلن ساسان الحرب وجيش جيشاً عرمرماً، ودارت معركة طاحنة انتصرنا فيها نحن الجن المسلم. لكن ساسان لم يستسلم؛ بل جمع أخطر سحرة العالم السفلي وصنعوا سحراً أسود جباراً تمكنوا به من أسر الأميرة الصغيرة وسجن روحها داخل تلك (الحجرة الزرقاء) التي وجدتها في أعماق البحر!
انقلبت حياة الملك صابور إلى جحيم وهو يحاول إيجاد طريقة لتحرير ابنته، واستغل ساسان انشغاله وباغتنا بهجوم غاشم بعفاريته، فخسرنا المعركة وتشتت جيشنا، وقُتل الملك صابور. وقبل أن تفيض روحه، وصاني على الخاتم. وبمساعدة صديق لي من الإنس، استطعنا تهريب الخاتم على متن سفينة، لكن ساسان علم بالأمر وأغرق السفينة، فغرق الخاتم وغرق صديقي الإنسي، وبقيت أنا حارساً للمكان حتى جئت أنت وانتشلته".
الفصل السادس: العام الدموي والقمر الأحمر
التفت إلي جدي وعيونه تفيض بالدموع، وقال:
"لقد أخبرني سمور أن الطريقة الوحيدة لتحرير الأميرة هي جمع جيش الجن المسلم مجدداً وخوض الحرب. وعندما سألته إن كنت أنا من سيفعل ذلك، قال لي: (لا.. أنت مجرد حارس، لكن المهمة سيقوم بها حفيد من أحفادك تنتقل إليه الأمانة)".
نظرت إلى جدي برعب وقلت له:
"جدي.. لا تقل لي أنني أنا ذلك الحفيد! أنا لا علاقة لي بعالم الجن، أرجوك لا تورطني!" أجابني جدي بحسم:
"هذا ما كتبه الله علينا يا ولدي.. ما بدأته أنا، يجب أن تكمله أنت. خذ الخاتم من يدي فحياتي قد انتهت". نزعت الخاتم من صبعه بحذر وأنا أرتجف، وبعدها بساعة واحدة، سلم جدي الروح لبارئها.
بعد انقضاء ليلة الدفن، ظهر لي سمور في غرفتي وقال لي:
"البقاء لله يا علي.. بعد عام من الآن، سيهل (العام الدموي) الذي يأتي مرة كل قرن، وهو الوقت الذي تبلغ فيه قوى السحر ذروتها. أنا سأتولى جمع جيوش الجن المسلم من شتى بقاع الأرض، وما عليك أنت إلا الحفاظ على الخاتم في يدك لنهجم على مملكة ساسان ونحرر الأميرة".
مر العام، وجاءت ليلة القمر الدموي الخريفية. شعرت بطاقة غريبة تنبعث من الخاتم، ووقف سمور بجانبي ليرفع الحجاب عن عيني. رأيت ما لا يمكن لعقل بشري تصوره؛ جيوشاً من أطياف النور والظلام تتطاحن في سماء المقبرة ودروب العالم السفلي. استمرت المعركة الملحمية لخمسة أيام بلياليها، حتى تشتت جيش ساسان الكافر، واستسلم من تبقى منهم.
تقدم سمور منتصراً نحو قصر ساسان السفلي، وأضرم النيران في حجرة الطلاسم السوداء ليفك السحر. وفي تلك اللحظة، شعرّت بحرارة شديدة في خنصري، وانفجرت الحجرة الزرقاء في الخاتم لينبعث منها دخان كثيف تصاعد في الغرفة، وتشكلت من وسطه الأميرة الأسيرة بكامل جمالها الضاري، حرة طليقة بعد آلاف السنين من السجن.
لمشاهدة القصة على يوتيوب من هنا

